تقرير رويترز | كيف نفذ مهاجمون سوريون أعمال القتل: يد على الزناد وأخرى على الكاميرا
من دينيس أويار ومونيكا نعيم وبولا جرزانكا
من دينيس أويار ومونيكا نعيم وبولا جرزانكا
أشهر المسلحون، الذين كانوا يرتدون زياً عسكرياً، بنادقهم في وجه ثلاثة رجال عزّل، وأمروهم بالخروج إلى شرفة مشمسة، قبل أن يصرخوا فيهم بالتوقف.
قال أحد المهاجمين لرفيقه: “لحظة واحدة. هل تريد أن تصوّرهم؟”
كان أحد المسلحين قد بدأ بالفعل بتصوير المشهد بهاتفه المحمول، لكن الرعب المتصاعد توقف للحظات للسماح لمسلحٍ آخر ببدء تسجيل الأحداث أيضاً.
صرخ المسلحون في وجوه ضحاياهم، وهم من أبناء الطائفة الدرزية في سوريا:
“يلا! زت حالك!”
أطلق اثنان من المهاجمين النار على الرجال واحداً تلو الآخر أثناء محاولتهم تسلق الدرابزين الأسود، قبل أن تتهاوى أجسادهم إلى الشارع أسفلهم، وفقاً لمقطع الفيديو المتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي اطلعت عليه وكالة رويترز.
وبحسب صديق للعائلة وأحد أقرباء الضحايا تحدثا إلى رويترز، فإن الضحايا هم معاذ عرنوس، وشقيقه براء عرنوس، وابن عمهما أسامة عرنوس. وقد أكدا أن الفيديو يُظهر عملية قتلهم في منزلهم بمدينة السويداء جنوبي سوريا، بتاريخ 16 تموز/يوليو.
وقعت هذه الوفيات ضمن 12 عملية إعدام ميدانية بحق مدنيين دروز عُزّل، نُفذت في ثلاثة مواقع داخل مدينة السويداء ومحيطها خلال هذا الشهر، على يد مسلحين يرتدون زياً عسكرياً، وذلك بحسب مقاطع مصوّرة للهجمات، تم تصويرها من قبل القتلة أنفسهم أو من أشخاص كانوا برفقتهم، وقد تحققت وكالة رويترز من صحتها.
يُظهر مقطع فيديو آخر منير الرجمة، وهو حارس يبلغ من العمر 60 عاماً يعمل عند بئر ماء مشترك، وهو يُقتل برصاص مقاتلين شابين بعد أن أبلغهم بأنه ينتمي للطائفة الدرزية، وفق ما رواه ابنه ويام الرجمة لرويترز.
وتُظهر لقطات أخرى مجموعة من المسلحين وهم يُجبرون ثمانية مدنيين على الركوع في تراب إحدى الساحات الدائرية، قبل أن يُطلقوا النار عليهم ويقتلوهم، بحسب روايات صديق وأحد أقرباء بعض الضحايا.
تشكل هذه المقاطع بعضاً من أوضح التوثيقات حتى الآن للمجزرة التي اندلعت في محافظة السويداء منتصف تموز/يوليو، والتي بدأت بمواجهات بين فصائل درزية محلية ومسلحين من القبائل البدوية، قبل أن تتدخل قوات النظام السوري لـ”إعادة فرض النظام”.
وقد أسفرت أعمال العنف عن مقتل مئات الأشخاص، معظمهم من أبناء الطائفة الدرزية، وفقاً لتحقيقات وكالة رويترز وبيانات صادرت عن جهتي رصد مستقلتين.
تمكنت رويترز من تحديد مواقع الأحداث الجغرافية من خلال معالم بارزة ظهرت في المقاطع المصوّرة. كما جرى التحقق من تاريخ وقوعها ومحتواها عبر مقابلات مع سبعة من أقارب وأصدقاء الضحايا.
وأكد جميع من جرى مقابلتهم أنهم يعتقدون بأن قوات الحكومة السورية هي من قتلت ذويهم
لم تتمكن وكالة رويترز من تحديد هوية المهاجمين الظاهرين في مقاطع الفيديو، والتي لم تكن تحتوي على تاريخ أو طابع زمني، كما تعذر عليها معرفة الجهة التي نشرت المقاطع أولاً على الإنترنت. وأظهر تحليل منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أن هذه المقاطع بدأت بالظهور بعد 18 تموز.
لم ترد مكاتب الإعلام في وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين على استفسارات رويترز بشأن الهجمات المصوّرة.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أصدرت بياناً في 22 تموز/يوليو أكدت فيه علمها بوجود تقارير حول قيام “جهة مجهولة” ترتدي لباساً عسكرياً بارتكاب “انتهاكات صادمة وفاضحة” في السويداء. لكنها لم تشر في بيانها إلى حالات الإعدام الميداني التي استهدفت المدنيين الدروز.
وتعهدت الوزارة بإجراء تحقيق في الانتهاكات، وتحديد الجناة، وفرض “أقصى العقوبات” عليهم، حتى لو كانوا من منتسبي وزارة الدفاع.
وفي اليوم نفسه، أدانت وزارة الداخلية السورية “بأشد العبارات” المقاطع المتداولة التي تُظهر إعدامات ميدانية نُفذت من قبل “أشخاص مجهولين” في مدينة السويداء.
منظمة: ألف قتيل على الأقل
تعاني سوريا من نوبات متكررة من الصراع الطائفي منذ السقوط المفاجئ للرئيس بشار الأسد ونظامه الأمني في ديسمبر من العام الماضي، وذلك بعد 14 عاماً من الحرب. وقد تولّت الحكم حكومة جديدة بقيادة جماعة إسلامية سنّية سابقة لها جذور في التيار الجهادي العالمي. قامت هذه الحكومة بحلّ جيش الأسد، وسعت لدمج عشرات الفصائل المسلحة السابقة في جيش وطني موحّد، إلا أن تلك القوات واجهت صعوبات كبيرة في ملء الفراغ الأمني.
وتُعدّ محافظة السويداء ذات أغلبية درزية، وهي طائفة تُعدّ فرعاً بعيداً من الإسلام، وتشكل نحو 3% من سكان سوريا قبل الحرب، البالغ عددهم 24 مليون نسمة.
وجاءت الفظائع المرتكبة في السويداء بعد أربعة أشهر فقط من موجة قتل طالت الأقلية العلوية، حيث نفّذت فصائل مسلحة تابعة للحكومة الجديدة عمليات قتل جماعي في عدة قرى ساحلية، راح ضحيتها المئات.